Guest_قاهر الجن
07-04-2003, 02:27 PM
وصايا للرقاة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ،
فهذه فوانيس قد دونتها في أيام سالفة وفي أوقات متباعدة أضيف تارة وأمسح تارة وكذا الحال مع كل مُصَنِّف حين يراجع تصنيفه بين فترة وأخرى، وما أجمل قول الإمام الشافعي رحمه الله :
" هيه أبى الله أن يكون كتاباً صحيحاً غير كتابه "
فهذه وصايا لأحبتي الرقاة الربانيون ليسيروا على خطاها ولتكن لهم منارات هدى ونبراس علمٍ في طريق الرقية ، كتبتها لنفسي ، ولما رأيت إلحاح بعض من لا تسعني مخالفته أحببت أن أجيبه إلى مطلوبه ،_ مع قلة البضاعة _ ولكن لعل الله يرى فعل عبده الفقير ، فينتفع بها عبداً من عباده فيرحمه ويحسن إليه في الدنيا والآخرة .
وأصل هذه الوصايا فصل نفيس من رسالة صغيرة بعنوان " فقه الرقية " للعبد الفقير استللتها منها الآن ، وإن كان في العمر بقية نعمل على نشرها _ بإذن الله تعالى _
فهي شذرات غالية ، ونفاس عالية ، ينبغي لكل حريص على نفسه أن يعمل لها ليرتقي إلى درجات الصعود والرقي .
وستكون بإذن الله تعالى على حلقات .
والموضوع ليس بالطويل الممل ، ولا بالقصير المخل ،فحسبك أنها محطات مضيئة في طريق الرقاة يحلّقوا من خلالها إلى نفائس جوهرها ورونق معانيها .
<marquee>الوصية الأولى
الإخلاص لله تعالى </marquee>
يقول الله تبارك وتعالى : " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ " [ البينة / 5 ]
وقال جلّ وعلا : " قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ " [ آل عمران / 29 ]
وقال سبحانه موبخاً من كانت نيته الحرص على الدنيا وزينتها : " مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ . أوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ " [ هود / 15 – 16 ]
وعَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ " أخرجه البخاري
وهذا الحديث العمدة في الإخلاص كما قال الإمام عبد الرحمن ابن مهدي رحمه الله :
" لو صنفت ُ الأبوابَ ، لجعلتُ حديثَ عمرَ في الأعمالِ بالنيّة في كل باب "
ولقد تنوعت عبارات السلف رحمهم الله في الإخلاص والحثِّ عليه ، وقد سقتها إليك ، فهاهي أمام عينيك ، وفي متناول يديك .
قال الفضيل بن زياد رحمه الله : سألت أباعبد الله _ يعني الإمام أحمد رحمه الله_ عن النيّة في العمل ، قلت : كيف النيّة ؟ قال : يعالج نفسَه إذا أراد عملاً لا يريد به الناس .
وقال داو د الطائي رحمه الله : رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية وكفاك بها خيرا وإن لم تنصب .
وقال سفيان الثوري رحمه الله : ما عالجت شيئا أشد على من نيتي لأنها تنقلب علي .
وقال يوسف بن أسباط رحمه الله : تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد .
وعن مطرف بن عبد الله قال : صلاح القلب بصلاح العمل وصلاح العمل بصلاح النية .
وعن بعض السلف قال : من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته فإن الله عز وجل يأجر العبد إذا حسن نيته .
وتأمل أخي الراقي بورك فيك الآتحب أن يكمل عملك بشفاء من ترقيه وتحسن إليه ، بلى والله . إذن فلتكن دعوة لتصحيح النية وإخلاص القصد لله تعالى .
وقال أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك رحمه الله : رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية .
وقال ابن عجلان رحمه الله : لا يصلح العمل إلا بثلاث : التقوى لله ، والنية الحسنة ، والإصابة .
قال مقيده _ عفا الله عنه _ :
تقوى الله : وهي فلاح كل عبد ، وسعادة كل إنسان في هذه الدنيا وهي أعظم البر التي أمر الله تعالى به عباده .
يقول الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره عند آية رقم 189 من سورة البقرة : " واتقوا الله " : " هذا البر الذي أمر الله به ، وهو لزوم تقواه على الدوام بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، فإنه سبب ٌ للفلاح الذي هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب .
فمن لم يتق الله تعالى لم يكن له سبيل إلى الفلاح ، ومن اتقاه فاز بالفلاح والنجاح ." [ 1 / 141 ]
والنيّة الحسنة : وهذه ضالتنا المنشودة ، وهذا القصد المطلوب .
الإخلاص لله تعالى في كل الأمور صغيرها وكبيرها وما أحسن قول سهل بن عبد الله رحمه الله حين قال : " ليس على النفس شيءٌ أشقَّ من الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب . "
والإصابة : وهي موافقة السنة والسير على خطاها والعض عليها بالنواجذ .وكفاك بها .
ولهذا قال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله : في قوله تعالى : " لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا "
[ الملك / 2 ] قال أخلصه وأصوبه وقال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا وصوابا قال والخالص إذا كان لله عز وجل والصواب إذا كان على السنة ..
فالله الله أحبتي الرقاة في الإخلاص .
فكم رأينا أقوامً يعملون ! غير أننا لم نرَ أثراً صالحاً لعملهم ؟!
بل الكثير منهم لم يوفق فيما قصد إليه ، فظل في شاطئه ، أو قل خاض منه ضحضاحاً ، ولم يستطع أن يصل إلى الغمر، فنكص على عقبيه ، خسير النصب .
وليس لهذا الأمر من سبب _ والله أعلم _ إلا أن الإخلاص لم يكن رائده .
فإيّاك إياك والعمل من غير إخلاص ، فإنك إنْ كتمت ما تُضمره حيناً من الدهر ، لابد أن ينكشف عواره ، ويفتضح أمره ، وحينئذ ، ينفر منه من كان له معيناً ، ويهمله من شجعه وحبّذ عمله .
فلتكن أخي الراقي مخلصاً لله في رقيتك وإحسانك للناس ، واحتسب ذلك عند الرحمن ، لتنال الجزاء في الجنان ، وأحذرك أن تبيع الوجدان بالأصفر الرنان ( المال ) فذاك دأب من تعرف ؟!
وأعيذك أخي بالله أن لاتكون من المخلصين .
وترقبوا الوصية الثانية
محبكم
قاهر الجن
عفا الله عنه
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ،
فهذه فوانيس قد دونتها في أيام سالفة وفي أوقات متباعدة أضيف تارة وأمسح تارة وكذا الحال مع كل مُصَنِّف حين يراجع تصنيفه بين فترة وأخرى، وما أجمل قول الإمام الشافعي رحمه الله :
" هيه أبى الله أن يكون كتاباً صحيحاً غير كتابه "
فهذه وصايا لأحبتي الرقاة الربانيون ليسيروا على خطاها ولتكن لهم منارات هدى ونبراس علمٍ في طريق الرقية ، كتبتها لنفسي ، ولما رأيت إلحاح بعض من لا تسعني مخالفته أحببت أن أجيبه إلى مطلوبه ،_ مع قلة البضاعة _ ولكن لعل الله يرى فعل عبده الفقير ، فينتفع بها عبداً من عباده فيرحمه ويحسن إليه في الدنيا والآخرة .
وأصل هذه الوصايا فصل نفيس من رسالة صغيرة بعنوان " فقه الرقية " للعبد الفقير استللتها منها الآن ، وإن كان في العمر بقية نعمل على نشرها _ بإذن الله تعالى _
فهي شذرات غالية ، ونفاس عالية ، ينبغي لكل حريص على نفسه أن يعمل لها ليرتقي إلى درجات الصعود والرقي .
وستكون بإذن الله تعالى على حلقات .
والموضوع ليس بالطويل الممل ، ولا بالقصير المخل ،فحسبك أنها محطات مضيئة في طريق الرقاة يحلّقوا من خلالها إلى نفائس جوهرها ورونق معانيها .
<marquee>الوصية الأولى
الإخلاص لله تعالى </marquee>
يقول الله تبارك وتعالى : " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ " [ البينة / 5 ]
وقال جلّ وعلا : " قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ " [ آل عمران / 29 ]
وقال سبحانه موبخاً من كانت نيته الحرص على الدنيا وزينتها : " مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ . أوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ " [ هود / 15 – 16 ]
وعَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ " أخرجه البخاري
وهذا الحديث العمدة في الإخلاص كما قال الإمام عبد الرحمن ابن مهدي رحمه الله :
" لو صنفت ُ الأبوابَ ، لجعلتُ حديثَ عمرَ في الأعمالِ بالنيّة في كل باب "
ولقد تنوعت عبارات السلف رحمهم الله في الإخلاص والحثِّ عليه ، وقد سقتها إليك ، فهاهي أمام عينيك ، وفي متناول يديك .
قال الفضيل بن زياد رحمه الله : سألت أباعبد الله _ يعني الإمام أحمد رحمه الله_ عن النيّة في العمل ، قلت : كيف النيّة ؟ قال : يعالج نفسَه إذا أراد عملاً لا يريد به الناس .
وقال داو د الطائي رحمه الله : رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية وكفاك بها خيرا وإن لم تنصب .
وقال سفيان الثوري رحمه الله : ما عالجت شيئا أشد على من نيتي لأنها تنقلب علي .
وقال يوسف بن أسباط رحمه الله : تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد .
وعن مطرف بن عبد الله قال : صلاح القلب بصلاح العمل وصلاح العمل بصلاح النية .
وعن بعض السلف قال : من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته فإن الله عز وجل يأجر العبد إذا حسن نيته .
وتأمل أخي الراقي بورك فيك الآتحب أن يكمل عملك بشفاء من ترقيه وتحسن إليه ، بلى والله . إذن فلتكن دعوة لتصحيح النية وإخلاص القصد لله تعالى .
وقال أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك رحمه الله : رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية .
وقال ابن عجلان رحمه الله : لا يصلح العمل إلا بثلاث : التقوى لله ، والنية الحسنة ، والإصابة .
قال مقيده _ عفا الله عنه _ :
تقوى الله : وهي فلاح كل عبد ، وسعادة كل إنسان في هذه الدنيا وهي أعظم البر التي أمر الله تعالى به عباده .
يقول الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره عند آية رقم 189 من سورة البقرة : " واتقوا الله " : " هذا البر الذي أمر الله به ، وهو لزوم تقواه على الدوام بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، فإنه سبب ٌ للفلاح الذي هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب .
فمن لم يتق الله تعالى لم يكن له سبيل إلى الفلاح ، ومن اتقاه فاز بالفلاح والنجاح ." [ 1 / 141 ]
والنيّة الحسنة : وهذه ضالتنا المنشودة ، وهذا القصد المطلوب .
الإخلاص لله تعالى في كل الأمور صغيرها وكبيرها وما أحسن قول سهل بن عبد الله رحمه الله حين قال : " ليس على النفس شيءٌ أشقَّ من الإخلاص لأنه ليس لها فيه نصيب . "
والإصابة : وهي موافقة السنة والسير على خطاها والعض عليها بالنواجذ .وكفاك بها .
ولهذا قال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله : في قوله تعالى : " لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا "
[ الملك / 2 ] قال أخلصه وأصوبه وقال إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا وصوابا قال والخالص إذا كان لله عز وجل والصواب إذا كان على السنة ..
فالله الله أحبتي الرقاة في الإخلاص .
فكم رأينا أقوامً يعملون ! غير أننا لم نرَ أثراً صالحاً لعملهم ؟!
بل الكثير منهم لم يوفق فيما قصد إليه ، فظل في شاطئه ، أو قل خاض منه ضحضاحاً ، ولم يستطع أن يصل إلى الغمر، فنكص على عقبيه ، خسير النصب .
وليس لهذا الأمر من سبب _ والله أعلم _ إلا أن الإخلاص لم يكن رائده .
فإيّاك إياك والعمل من غير إخلاص ، فإنك إنْ كتمت ما تُضمره حيناً من الدهر ، لابد أن ينكشف عواره ، ويفتضح أمره ، وحينئذ ، ينفر منه من كان له معيناً ، ويهمله من شجعه وحبّذ عمله .
فلتكن أخي الراقي مخلصاً لله في رقيتك وإحسانك للناس ، واحتسب ذلك عند الرحمن ، لتنال الجزاء في الجنان ، وأحذرك أن تبيع الوجدان بالأصفر الرنان ( المال ) فذاك دأب من تعرف ؟!
وأعيذك أخي بالله أن لاتكون من المخلصين .
وترقبوا الوصية الثانية
محبكم
قاهر الجن
عفا الله عنه