بسمة أمل
09-13-2007, 11:28 AM
http://www.3deeel.com/vb/images/bsm.gif
رمضان في حياة السلف
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ..
وبعد ، فلرمضان في حياة البشرية من الذكريات ما ليس لغيره ، فهو ضيف يهل زائرا كل عام ، فيستعد لمجيئه أهل السماء قبل أهل الأرض ، يفتح الله فيه باب الجنة ، ويغلق فيه باب الجحيم ، وتُصفد فيه الشياطين ، ويُنادي مناد : يا باغي الخير هلم ، ويا باغي الشر أقصر..
وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم يتهيأ له بما لم يتهيأ به لغيره من الشهور ، فيضاعف فيه من العبادات ، وفعل الطاعات ، والإقبال على ربه ؛ حتى قبل مبعثه ، إذ اعتاد كل عام أن يصحب زاده ويصعد به إلى غار حراء ، يترفع عن الدنيا ، ويسمو إلى السماء ..
فلما اصطفاه الله سبحانه وتعالى رسولا ، وكان الاصطفاء في رمضان صار يقدر لهذا الشهر قدره ، ويقوم لله في ليله حتى تتفطر قدماه ؛ شكرا لله على هذا الاصطفاء ، كما اعتاد جبريل عليه السلام أن يهبط إليه كل يوم بأمر ربه فيدارسه القرآن الكريم ، فيزيده ذلك صفاء على صفائه ، وكرما على كرمه ، فقد ورد في كتب الصحاح أنه صلى الله عليه وسلم كان أجود ما يكون في رمضان ، وفي رواية أخرى " أجود من الريح المرسلة " حين يلقاه جبريل ، وتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير ، وأعطى كل سائل ..
وسار على سنته السلف الصالح ، فكانوا إذا أهل عليهم رمضان شمروا عن ساعد الجد ، واجتهدوا في العمل الصالح طمعاً في مرضاة الله ، ورجاء في تحصيل ثوابه ، فتدارسوا القرآن كما تدارسه رسول الله ، وسهروا على تلاوته ليلا كما كان يسهر رسول الله ، فهذا الأسود بن يزيد رضي الله عنه يعكف على القرآن في رمضان حتى يختمه كل ليلتين ، وكذلك كان يفعل سعيد بن جبير ..
و كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاثٍ، فإذا جاء العشر ختم كل ليلة.
وهذا محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله يجلس بعد صلاة القيام ليختم القرآن كل ثلاث ليالٍ .
وهذا مالك بن أنس رحمه الله إمام دار الهجرة كان إذا دخل عليه رمضان يقبل على تلاوة القرآن من المصحف ، ويترك كل شيء حتى مدارسة الحديث ، ومجالسة أهل العلم ..
وهذا سفيان الثوري رحمه الله كان إذا دخل عليه رمضان أيضا ترك كل مشاغل الدنيا ، وأقبل على قراءة القرآن ..
وكان الزهري رحمه الله إذا دخل عليه رمضان يفر من قراءة الحديث ، ومجالسة أهل العلم ، ويقبل على تلاوة القرآن من المصحف.
وكان المازني البصري علامة زمانه في الفقه والنحو رحمه الله تعالى إذا دخل شهر رمضان لا ينشد بيتا من الشعر حتى ينتهي ، وإنما كان شغله قراءة القرآن ..
كما كان الواحد منهم يحرص على أن يُشرك أهله وأصحابه في ذلك الفضل، فهذا زبيد اليامي كان إذا حضر رمضان أحضر المصحف ، وجمع إليه أصحابه ..
وبعضهم كان يخصص ختمة لأولاده يجمعهم عليها ؛ لينشئوا على تعظيم رمضان وحب القرآن ..
ومنهم من كان يستغل الفترة من بعد الإفطار إلى صلاة العشاء ، وهي الفترة التي يقضيها الناس الآن في تسالي التلفاز في تلاوة القرآن ، ويجعل لنفسه ختمة مخصصة بهذه الفترة ، مثل سعيد بن جبير ، وساعدهم على ذلك أنهم كانوا يؤخرون العشاء الآخرة في شهر رمضان تأخيرا شديدا ، كما قال ابن عساكر في تاريخ دمشق ..
ومن العجب أن الملوك من السلف كانوا يسابقون العباد في ذلك المضمار ، ولا عجب فكانت علو الهمة عند أحدهم تجعله يطمع في أن يكون صاحب المنزلة العالية في الآخرة كما كان في الدنيا ، فهذا الوليد بن عبد الملك يُذكر عنه أنه كان يختم القرآن في كل ثلاثٍ.. وكان المأمون يكثر من قراءة القرآن في شهر رمضان حتى يكون في صوته بُحة ..
وهذا الحجاج رغم مشاغله في الثورات والفتوحات كان يعين له قارئا في رمضان يقرأ عليه ..
وبالغوا في التهجد من الليل في رمضان كما بالغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال : سمعت أبي يقول: كنا ننصرف في رمضان من القيام فيستعجل أحدنا الخدم بالطعام مخافة الفجر .
وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا فرغ الناس من الصلاة بالمسجد أخذ إداوةً من ماءٍ ثم عاد إليه ، فلا يخرج منه حتى يصلي فيه الصبح .
وصار من السلف من يختم القرآن في تهجده كل عشرة أيام ، ومنهم من يختمه كل سبع.
وحتى من تقدم بهم السن ، قال الوليد بن علي عن أبيه أن سويد بن غفلة كان يؤمنا في شهر رمضان في القيام ، وقد أتى عليه عشرون ومائة سنة ..
وبعضهم كان يتقاسم ليله مع أهله وأولاده ، قال أبو عثمان النهدي: تضيّفت أبا هريرة رضي الله عنه سبعاً ، فكان هو وامرأته وخادمه يقسمون الليل ثلاثاً ، يصلي هذا ثم يوقظ هذا ..
ولم ينتشر ذلك بين الصفوة فقط ، وإنما كان أمرا مألوفا لدى عامة الناس ، يقول نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما : سمعت ابن أبي ملكية يقول: كنت أقوم بالناس في شهر رمضان فأقرأ في الركعة الحمد لله فاطر ونحوها، وما يبلغني أنّ أحداً يستثقل ذلك .
وقال يزيد بن خصفة عن السائب بن يزيد : كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة ، وكانوا يقرؤون بالمائتين ، وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه من شدة القيام ..
وهذا المثنى بن سعيد يقول: أدركت هذا المسجد ( مسجد بني ضبيعة ) وإمامهم يصلي بهم في رمضان ، يختم بهم في كل ثلاث رجل يقال له عمران بن عصام، وصلى فيهم قتادة بعده ، فكان يختم في كل سبع ..
كما كانوا يحرصون على التدبر في القراءة ، فهذا سعيد بن جبير كان يصلي بالناس في رمضان ، ويرجّع القراءة ، فربما أعاد الآية مرتين ..
وكذلك حرصوا على القراءة في الصلاة من ذاكرتهم دون مصحف ، و كانوا يكرهون القراءة للصلاة في المصحف ، وإن وردت عن البعض ، فقد جاء في تاريخ بغداد عن سويد بن حنظلة البكري أنه مر بقوم يؤمهم رجل في المصحف في رمضان فكره ذلك ، ونحى المصحف .
وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه كان يكره أن يؤم الرجل الناس بالليل في شهر رمضان في المصحف ، وقال : هو من فعل أهل الكتاب ؛ ولأن ذلك ربما شغل القارئ عند التدبر فيما يقرأ ، ويكون كل تركيزه في متابعة القراءة ..
وللأسف هذا العادة انتشرت هذه الأيام مع كثرة الحفاظ ، فإذا كان عذر السابقين أنهم لم يجدوا الحفاظ ، فما عذرنا نحن ؟! ..
وقام ولاة الأمر من السلف بدور مشكور في تشجيع الناس على ذلك ، وحضوهم على القيام حضا ، وجمعوهم في المساجد، ورتبوا لهم القراء ليصلوا بهم ، ومن ذلك ما جاء عن السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أُبَي بن كعب وتميما الداري رضي الله عنهما أن يقوما للناس في رمضان ..
وفي رواية أخرى أنه جعل بالمدينة ثلاثة قراء يقرؤون في رمضان، فأمر أسرعهم أن يقرأ بثلاثين آية ، وأمر أوسطهم أن يقرأ بخمس وعشرين ، وأمر أدناهم أن يقرأ بعشرين .. وكتب بذلك إلى سائر البلدان المسلمة ليتأسوا به ..
وجاء في تاريخ دمشق لابن عساكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يأمر الناس بقيام رمضان ، ويأمّر للرجال إماما ، وللنساء إماما ..
ليس فقط بل كانوا يوسعون على الناس في أرزاقهم إذا هل رمضان ، فقد ذكر الشعبي أن عمر رضي الله عنه زاد الناس مائة مائة ، يعني في عطاء كل واحد من جند المسلمين ، وكان قد جعل لكل نفس من المسلمين في كل ليلة من رمضان درهما من بيت المال يفطر عليه ، ولأمهات المؤمنين درهمين درهمين ، فلما ولي عثمان رضي الله عنه أقر ذلك وزاده ، واتخذ سماطا في المسجد أيضا للمتعبدين والمعتكفين وأبناء السبيل والفقراء والمساكين ..
هذا فضلا عن سعيهم للقضاء على كل ما ينقص من قدر رمضان ، أو يفسد على الناس جوهم الإيماني ، فقد ورد أن شاعرا يسمى النجاشي مر بآخر يسمى أبا سماك الأسدي في رمضان فدعاه إلى الشرب فأجابه ، فبلغ ذلك عليا رضي الله عنه فأخذ النجاشي وهرب أبو سماك ، فجلده علي رضي الله عنه ثم زاده عشرين على حد السكر ، فقال له : ما هذه العلاوة ، فقال : لجرأتك على الله في شهر رمضان وصبياننا صيام
..................
وجيء إلى عمر رضي الله عنه برجل قد أفطر في رمضان فجعل يضربه ويقول : تفعل هذا وصبياننا صيام ، ثم نفاه إلى الشام ..
ولا عجب فالحاكم في الإسلام كما هو مطالب بأن ييسر سبل المعاش والحياة الهانئة لرعيته في الدنيا ، مطالب أيضا أن يرشدهم إلى ما يثقل موازينهم في جنة الخلد يوم القيامة ..
وكان المقرئون يحرصون على أن يجعلوا صلاتهم بالناس دون مقابل إلا من كان إماما راتبا من قبل الدولة ؛ طمعا في ثواب الله في الآخرة ، فقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق معاوية بن قرة أنه قال : كنت نازلا على عمرو بن النعمان بن مقرن ، فلما حضر رمضان أتاه رجل بكيس دراهم فقال : إن الأمير مصعب بن الزبير يقرئك السلام ، ويقول : لم يدع قارئا إلا وقد وصل إليه منا معروف ، فاستعن بهذا ، فقال : قل له والله ما قرأنا القرآن نريد به الدنيا ، ورده عليه..
كما كانوا يلومون من يأخذ أجرة على صلاته بالناس ، فقد ورد أن رجلا أعمى كان يجالس سفيان الثوري فإذا كان شهر رمضان خرج إلى السواد فيصلي بالناس فيُكسى ويوهب له ، فقال سفيان : إذا كان يوم القيامة أثيب أهل القرآن من قراءتهم ، ويقال لمثل هذا : قد تعجلت ثوابك ، فقال له الرجل : يا أبا عبد الله تقول هذا لي وأنا جليس لك ؟ قال : إني أتخوف أن يقال لي يوم القيامة : إنه كان جليس لك أفلا نصحته.
ولم يرض القراء بجعل قراءتهم ابتغاء ثواب الآخرة فقط ، بل حرصوا بصفتهم أهل القرآن على أن يتفوقوا على غيرهم في الاجتهاد في رمضان ، فهذا رجل يسمى ابن اللبان كان يصلي بالناس صلاة التراويح في جميع الشهر ، وكان إذا فرغ من صلاته بالناس في كل ليلة لا يزال قائما في المسجد يصلى حتى يطلع الفجر ، فإذا صلى الفجر دارس أصحابه ، وقد وصفه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بقوله : وكان ورده كل ليلة فيما يصلي لنفسه سبعا من القرآن ، يقرأه بترتيل وتمهل ، ولم أر أجود ولا أحسن قراءة منه ..
وهذا البخاري كان يجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم ، فإذا جاءه السحر أقبل يقرأ ما بين النصف إلى الثلث من القرآن ..
كما سارع السلف إلى الإنفاق في سبيل الله والجود والكرم في رمضان كما سارع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا الزهري يقول عنه يونس بن يزيد: كان ابن شهاب إذا دخل رمضان فإنما هو تلاوة القرآن ، وإطعام الطعام ..
وكان حماد بن أبي سليمان يضيف في شهر رمضان خمسين رجلا كل ليلة ، فإذا كانت ليلة العيد كساهم ، وأعطى كل رجل منهم مائة درهم..
وكان إطعام الفقراء والجود عليهم سمة مألوفة عند الموسرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا واثلة بن الأسقع رضي الله عنه يقول : حضر رمضان ونحن في أهل الصفة فصمنا ، فكنا إذا أفطرنا أتى كل رجل منا رجلا من أهل السعة فأخذه فانطلق به فعشاه..
بل بعضهم كان يجود بإفطاره الذي يعده لنفسه ، فهذا أحمد بن حنبل يأتي إليه سائل فيدفع إليه رغيفين كان يعدهما لفطره ، ثم يُطوي ويصبح صائماً، كما ورد أيضا أن داوود الطائي ومالك بن دينار كانا يؤثران بفطورهما وهم صائمان..
وكان ابن عمر رضي لله عنهما يصوم ولا يفطر إلاَّ مع المساكين، فإذا منعهم أهله عنه لم يتعشَّ تلك الليلة، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه السائل ..
وكان الشافعي يقول: أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرٍ منهم بالصَّوم والصلاة عن مكاسبهم ..
وهذا السلطان ألب أرسلان يتفقد الفقراء في كل رمضان بخمسة عشر ألف دينار ، أما صلاح الدين الأيوبي فذُكر أنه أقام بالقدس قبل حطين جميع شهر رمضان في صيام وصلاة وقرآن ، وكلما وفد أحد عليه أحد من رؤساء الفرنج للزيارة فعل معه غاية الإكرام تأليفا لقلوبهم كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ..
وهذا أحد الخلفاء العباسيين يرتب عشرين دارا للضيافة يفطر فيها الصائمون من الفقراء ، يُطبَخ لهم في كل يوم فيها طعام كثير ، ويحمل إليها أيضا من الخبز النقي والحلواء شيء كثير ، وذاك آخر ـ أحسبه المستنصر ـ كان يقف على أمواله ويقول : أترى أعيش حتى أنفقها كلها ، فكان يبني الربط والخانات والقناطر في الطرقات من سائر الجهات ، وقد عمل بكل محلة من محال بغداد دار ضيافة للفقراء لاسيما في شهر رمضان ..
وحكي أنه اجتاز راكبا في بعض أزقة بغداد قبل غروب الشمس من رمضان فرأى شيخا كبيرا ، ومعه إناء فيه طعام قد حمله من محلة إلى محلة أخرى ، فقال : أيها الشيخ لم لا أخذت الطعام من محلتك ، أو أنت محتاج تأخذ من المحلتين ؟ فقال : لا والله يا سيدي ، ولم يعرف أنه الخليفة ، ولكني شيخ كبير وقد نزل بي الوقت ، وأنا أستحي من أهل محلتي أن أزاحمهم وقت الطعام فيشمت بي من كان يبغضني ، فأنا أذهب إلى غير محلتي فآخذ الطعام ، وأتحين وقت كون الناس في صلاة المغرب فأدخل بالطعام إلى منزلي بحيث لا يراني أحد ، فبكى الخليفة المستنصر ، وأمر له بألف دينار ، فلما دفعت إليه فرح الشيخ فرحا شديدا ، حتى قيل : إنه انشق قلبه من شدة الفرح ، ولم يعش بعد ذلك إلا عشرين يوما ..
وامتد جود السلف في رمضان ليصل إلى المساجين ، فقد جاء في تاريخ دمشق أن زياد بن عبيد الله وكان أميرا على مكة في عهد العباسيين يقول لصاحب له : يا أبا العلاء قد حضر هذا الشهر المبارك ، وقد رققت لأهل السجن لما هم فيه من الضر ، وقد رأيت أن أصيرك إليهم فتلهيهم بالنهار ، وتصلي بهم بالليل ..
وكان هؤلاء المساجين من أصحاب الجرائم والعثرات فمن باب أولى أن ينظر أهل الخير لمن سجنوا دفاعا عن كلمة الحق ، أو من حوصروا لأنهم قالوا : ربنا الله ..
...
يتببببببببع
رمضان في حياة السلف
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين ..
وبعد ، فلرمضان في حياة البشرية من الذكريات ما ليس لغيره ، فهو ضيف يهل زائرا كل عام ، فيستعد لمجيئه أهل السماء قبل أهل الأرض ، يفتح الله فيه باب الجنة ، ويغلق فيه باب الجحيم ، وتُصفد فيه الشياطين ، ويُنادي مناد : يا باغي الخير هلم ، ويا باغي الشر أقصر..
وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم يتهيأ له بما لم يتهيأ به لغيره من الشهور ، فيضاعف فيه من العبادات ، وفعل الطاعات ، والإقبال على ربه ؛ حتى قبل مبعثه ، إذ اعتاد كل عام أن يصحب زاده ويصعد به إلى غار حراء ، يترفع عن الدنيا ، ويسمو إلى السماء ..
فلما اصطفاه الله سبحانه وتعالى رسولا ، وكان الاصطفاء في رمضان صار يقدر لهذا الشهر قدره ، ويقوم لله في ليله حتى تتفطر قدماه ؛ شكرا لله على هذا الاصطفاء ، كما اعتاد جبريل عليه السلام أن يهبط إليه كل يوم بأمر ربه فيدارسه القرآن الكريم ، فيزيده ذلك صفاء على صفائه ، وكرما على كرمه ، فقد ورد في كتب الصحاح أنه صلى الله عليه وسلم كان أجود ما يكون في رمضان ، وفي رواية أخرى " أجود من الريح المرسلة " حين يلقاه جبريل ، وتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير ، وأعطى كل سائل ..
وسار على سنته السلف الصالح ، فكانوا إذا أهل عليهم رمضان شمروا عن ساعد الجد ، واجتهدوا في العمل الصالح طمعاً في مرضاة الله ، ورجاء في تحصيل ثوابه ، فتدارسوا القرآن كما تدارسه رسول الله ، وسهروا على تلاوته ليلا كما كان يسهر رسول الله ، فهذا الأسود بن يزيد رضي الله عنه يعكف على القرآن في رمضان حتى يختمه كل ليلتين ، وكذلك كان يفعل سعيد بن جبير ..
و كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاثٍ، فإذا جاء العشر ختم كل ليلة.
وهذا محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله يجلس بعد صلاة القيام ليختم القرآن كل ثلاث ليالٍ .
وهذا مالك بن أنس رحمه الله إمام دار الهجرة كان إذا دخل عليه رمضان يقبل على تلاوة القرآن من المصحف ، ويترك كل شيء حتى مدارسة الحديث ، ومجالسة أهل العلم ..
وهذا سفيان الثوري رحمه الله كان إذا دخل عليه رمضان أيضا ترك كل مشاغل الدنيا ، وأقبل على قراءة القرآن ..
وكان الزهري رحمه الله إذا دخل عليه رمضان يفر من قراءة الحديث ، ومجالسة أهل العلم ، ويقبل على تلاوة القرآن من المصحف.
وكان المازني البصري علامة زمانه في الفقه والنحو رحمه الله تعالى إذا دخل شهر رمضان لا ينشد بيتا من الشعر حتى ينتهي ، وإنما كان شغله قراءة القرآن ..
كما كان الواحد منهم يحرص على أن يُشرك أهله وأصحابه في ذلك الفضل، فهذا زبيد اليامي كان إذا حضر رمضان أحضر المصحف ، وجمع إليه أصحابه ..
وبعضهم كان يخصص ختمة لأولاده يجمعهم عليها ؛ لينشئوا على تعظيم رمضان وحب القرآن ..
ومنهم من كان يستغل الفترة من بعد الإفطار إلى صلاة العشاء ، وهي الفترة التي يقضيها الناس الآن في تسالي التلفاز في تلاوة القرآن ، ويجعل لنفسه ختمة مخصصة بهذه الفترة ، مثل سعيد بن جبير ، وساعدهم على ذلك أنهم كانوا يؤخرون العشاء الآخرة في شهر رمضان تأخيرا شديدا ، كما قال ابن عساكر في تاريخ دمشق ..
ومن العجب أن الملوك من السلف كانوا يسابقون العباد في ذلك المضمار ، ولا عجب فكانت علو الهمة عند أحدهم تجعله يطمع في أن يكون صاحب المنزلة العالية في الآخرة كما كان في الدنيا ، فهذا الوليد بن عبد الملك يُذكر عنه أنه كان يختم القرآن في كل ثلاثٍ.. وكان المأمون يكثر من قراءة القرآن في شهر رمضان حتى يكون في صوته بُحة ..
وهذا الحجاج رغم مشاغله في الثورات والفتوحات كان يعين له قارئا في رمضان يقرأ عليه ..
وبالغوا في التهجد من الليل في رمضان كما بالغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال : سمعت أبي يقول: كنا ننصرف في رمضان من القيام فيستعجل أحدنا الخدم بالطعام مخافة الفجر .
وهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا فرغ الناس من الصلاة بالمسجد أخذ إداوةً من ماءٍ ثم عاد إليه ، فلا يخرج منه حتى يصلي فيه الصبح .
وصار من السلف من يختم القرآن في تهجده كل عشرة أيام ، ومنهم من يختمه كل سبع.
وحتى من تقدم بهم السن ، قال الوليد بن علي عن أبيه أن سويد بن غفلة كان يؤمنا في شهر رمضان في القيام ، وقد أتى عليه عشرون ومائة سنة ..
وبعضهم كان يتقاسم ليله مع أهله وأولاده ، قال أبو عثمان النهدي: تضيّفت أبا هريرة رضي الله عنه سبعاً ، فكان هو وامرأته وخادمه يقسمون الليل ثلاثاً ، يصلي هذا ثم يوقظ هذا ..
ولم ينتشر ذلك بين الصفوة فقط ، وإنما كان أمرا مألوفا لدى عامة الناس ، يقول نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما : سمعت ابن أبي ملكية يقول: كنت أقوم بالناس في شهر رمضان فأقرأ في الركعة الحمد لله فاطر ونحوها، وما يبلغني أنّ أحداً يستثقل ذلك .
وقال يزيد بن خصفة عن السائب بن يزيد : كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر رمضان بعشرين ركعة ، وكانوا يقرؤون بالمائتين ، وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه من شدة القيام ..
وهذا المثنى بن سعيد يقول: أدركت هذا المسجد ( مسجد بني ضبيعة ) وإمامهم يصلي بهم في رمضان ، يختم بهم في كل ثلاث رجل يقال له عمران بن عصام، وصلى فيهم قتادة بعده ، فكان يختم في كل سبع ..
كما كانوا يحرصون على التدبر في القراءة ، فهذا سعيد بن جبير كان يصلي بالناس في رمضان ، ويرجّع القراءة ، فربما أعاد الآية مرتين ..
وكذلك حرصوا على القراءة في الصلاة من ذاكرتهم دون مصحف ، و كانوا يكرهون القراءة للصلاة في المصحف ، وإن وردت عن البعض ، فقد جاء في تاريخ بغداد عن سويد بن حنظلة البكري أنه مر بقوم يؤمهم رجل في المصحف في رمضان فكره ذلك ، ونحى المصحف .
وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه كان يكره أن يؤم الرجل الناس بالليل في شهر رمضان في المصحف ، وقال : هو من فعل أهل الكتاب ؛ ولأن ذلك ربما شغل القارئ عند التدبر فيما يقرأ ، ويكون كل تركيزه في متابعة القراءة ..
وللأسف هذا العادة انتشرت هذه الأيام مع كثرة الحفاظ ، فإذا كان عذر السابقين أنهم لم يجدوا الحفاظ ، فما عذرنا نحن ؟! ..
وقام ولاة الأمر من السلف بدور مشكور في تشجيع الناس على ذلك ، وحضوهم على القيام حضا ، وجمعوهم في المساجد، ورتبوا لهم القراء ليصلوا بهم ، ومن ذلك ما جاء عن السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أُبَي بن كعب وتميما الداري رضي الله عنهما أن يقوما للناس في رمضان ..
وفي رواية أخرى أنه جعل بالمدينة ثلاثة قراء يقرؤون في رمضان، فأمر أسرعهم أن يقرأ بثلاثين آية ، وأمر أوسطهم أن يقرأ بخمس وعشرين ، وأمر أدناهم أن يقرأ بعشرين .. وكتب بذلك إلى سائر البلدان المسلمة ليتأسوا به ..
وجاء في تاريخ دمشق لابن عساكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يأمر الناس بقيام رمضان ، ويأمّر للرجال إماما ، وللنساء إماما ..
ليس فقط بل كانوا يوسعون على الناس في أرزاقهم إذا هل رمضان ، فقد ذكر الشعبي أن عمر رضي الله عنه زاد الناس مائة مائة ، يعني في عطاء كل واحد من جند المسلمين ، وكان قد جعل لكل نفس من المسلمين في كل ليلة من رمضان درهما من بيت المال يفطر عليه ، ولأمهات المؤمنين درهمين درهمين ، فلما ولي عثمان رضي الله عنه أقر ذلك وزاده ، واتخذ سماطا في المسجد أيضا للمتعبدين والمعتكفين وأبناء السبيل والفقراء والمساكين ..
هذا فضلا عن سعيهم للقضاء على كل ما ينقص من قدر رمضان ، أو يفسد على الناس جوهم الإيماني ، فقد ورد أن شاعرا يسمى النجاشي مر بآخر يسمى أبا سماك الأسدي في رمضان فدعاه إلى الشرب فأجابه ، فبلغ ذلك عليا رضي الله عنه فأخذ النجاشي وهرب أبو سماك ، فجلده علي رضي الله عنه ثم زاده عشرين على حد السكر ، فقال له : ما هذه العلاوة ، فقال : لجرأتك على الله في شهر رمضان وصبياننا صيام
..................
وجيء إلى عمر رضي الله عنه برجل قد أفطر في رمضان فجعل يضربه ويقول : تفعل هذا وصبياننا صيام ، ثم نفاه إلى الشام ..
ولا عجب فالحاكم في الإسلام كما هو مطالب بأن ييسر سبل المعاش والحياة الهانئة لرعيته في الدنيا ، مطالب أيضا أن يرشدهم إلى ما يثقل موازينهم في جنة الخلد يوم القيامة ..
وكان المقرئون يحرصون على أن يجعلوا صلاتهم بالناس دون مقابل إلا من كان إماما راتبا من قبل الدولة ؛ طمعا في ثواب الله في الآخرة ، فقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق معاوية بن قرة أنه قال : كنت نازلا على عمرو بن النعمان بن مقرن ، فلما حضر رمضان أتاه رجل بكيس دراهم فقال : إن الأمير مصعب بن الزبير يقرئك السلام ، ويقول : لم يدع قارئا إلا وقد وصل إليه منا معروف ، فاستعن بهذا ، فقال : قل له والله ما قرأنا القرآن نريد به الدنيا ، ورده عليه..
كما كانوا يلومون من يأخذ أجرة على صلاته بالناس ، فقد ورد أن رجلا أعمى كان يجالس سفيان الثوري فإذا كان شهر رمضان خرج إلى السواد فيصلي بالناس فيُكسى ويوهب له ، فقال سفيان : إذا كان يوم القيامة أثيب أهل القرآن من قراءتهم ، ويقال لمثل هذا : قد تعجلت ثوابك ، فقال له الرجل : يا أبا عبد الله تقول هذا لي وأنا جليس لك ؟ قال : إني أتخوف أن يقال لي يوم القيامة : إنه كان جليس لك أفلا نصحته.
ولم يرض القراء بجعل قراءتهم ابتغاء ثواب الآخرة فقط ، بل حرصوا بصفتهم أهل القرآن على أن يتفوقوا على غيرهم في الاجتهاد في رمضان ، فهذا رجل يسمى ابن اللبان كان يصلي بالناس صلاة التراويح في جميع الشهر ، وكان إذا فرغ من صلاته بالناس في كل ليلة لا يزال قائما في المسجد يصلى حتى يطلع الفجر ، فإذا صلى الفجر دارس أصحابه ، وقد وصفه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد بقوله : وكان ورده كل ليلة فيما يصلي لنفسه سبعا من القرآن ، يقرأه بترتيل وتمهل ، ولم أر أجود ولا أحسن قراءة منه ..
وهذا البخاري كان يجتمع إليه أصحابه فيصلي بهم ، فإذا جاءه السحر أقبل يقرأ ما بين النصف إلى الثلث من القرآن ..
كما سارع السلف إلى الإنفاق في سبيل الله والجود والكرم في رمضان كما سارع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا الزهري يقول عنه يونس بن يزيد: كان ابن شهاب إذا دخل رمضان فإنما هو تلاوة القرآن ، وإطعام الطعام ..
وكان حماد بن أبي سليمان يضيف في شهر رمضان خمسين رجلا كل ليلة ، فإذا كانت ليلة العيد كساهم ، وأعطى كل رجل منهم مائة درهم..
وكان إطعام الفقراء والجود عليهم سمة مألوفة عند الموسرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا واثلة بن الأسقع رضي الله عنه يقول : حضر رمضان ونحن في أهل الصفة فصمنا ، فكنا إذا أفطرنا أتى كل رجل منا رجلا من أهل السعة فأخذه فانطلق به فعشاه..
بل بعضهم كان يجود بإفطاره الذي يعده لنفسه ، فهذا أحمد بن حنبل يأتي إليه سائل فيدفع إليه رغيفين كان يعدهما لفطره ، ثم يُطوي ويصبح صائماً، كما ورد أيضا أن داوود الطائي ومالك بن دينار كانا يؤثران بفطورهما وهم صائمان..
وكان ابن عمر رضي لله عنهما يصوم ولا يفطر إلاَّ مع المساكين، فإذا منعهم أهله عنه لم يتعشَّ تلك الليلة، وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه السائل ..
وكان الشافعي يقول: أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثيرٍ منهم بالصَّوم والصلاة عن مكاسبهم ..
وهذا السلطان ألب أرسلان يتفقد الفقراء في كل رمضان بخمسة عشر ألف دينار ، أما صلاح الدين الأيوبي فذُكر أنه أقام بالقدس قبل حطين جميع شهر رمضان في صيام وصلاة وقرآن ، وكلما وفد أحد عليه أحد من رؤساء الفرنج للزيارة فعل معه غاية الإكرام تأليفا لقلوبهم كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية ..
وهذا أحد الخلفاء العباسيين يرتب عشرين دارا للضيافة يفطر فيها الصائمون من الفقراء ، يُطبَخ لهم في كل يوم فيها طعام كثير ، ويحمل إليها أيضا من الخبز النقي والحلواء شيء كثير ، وذاك آخر ـ أحسبه المستنصر ـ كان يقف على أمواله ويقول : أترى أعيش حتى أنفقها كلها ، فكان يبني الربط والخانات والقناطر في الطرقات من سائر الجهات ، وقد عمل بكل محلة من محال بغداد دار ضيافة للفقراء لاسيما في شهر رمضان ..
وحكي أنه اجتاز راكبا في بعض أزقة بغداد قبل غروب الشمس من رمضان فرأى شيخا كبيرا ، ومعه إناء فيه طعام قد حمله من محلة إلى محلة أخرى ، فقال : أيها الشيخ لم لا أخذت الطعام من محلتك ، أو أنت محتاج تأخذ من المحلتين ؟ فقال : لا والله يا سيدي ، ولم يعرف أنه الخليفة ، ولكني شيخ كبير وقد نزل بي الوقت ، وأنا أستحي من أهل محلتي أن أزاحمهم وقت الطعام فيشمت بي من كان يبغضني ، فأنا أذهب إلى غير محلتي فآخذ الطعام ، وأتحين وقت كون الناس في صلاة المغرب فأدخل بالطعام إلى منزلي بحيث لا يراني أحد ، فبكى الخليفة المستنصر ، وأمر له بألف دينار ، فلما دفعت إليه فرح الشيخ فرحا شديدا ، حتى قيل : إنه انشق قلبه من شدة الفرح ، ولم يعش بعد ذلك إلا عشرين يوما ..
وامتد جود السلف في رمضان ليصل إلى المساجين ، فقد جاء في تاريخ دمشق أن زياد بن عبيد الله وكان أميرا على مكة في عهد العباسيين يقول لصاحب له : يا أبا العلاء قد حضر هذا الشهر المبارك ، وقد رققت لأهل السجن لما هم فيه من الضر ، وقد رأيت أن أصيرك إليهم فتلهيهم بالنهار ، وتصلي بهم بالليل ..
وكان هؤلاء المساجين من أصحاب الجرائم والعثرات فمن باب أولى أن ينظر أهل الخير لمن سجنوا دفاعا عن كلمة الحق ، أو من حوصروا لأنهم قالوا : ربنا الله ..
...
يتببببببببع