دارين
08-09-2006, 01:41 PM
صعود الأبوية الذكورية وانهيارها د. عبدالله إبراهيم
يرسم نجيب محفوظ في "الثلاثية" إطاراً صارماً للعالم السردي الذي ستدور فيه أحداث الرواية، يقدم حكاية أسرة من الطبقة الوسطى، على خلفية الاحتلال الاستعماري الإنجليزي لمصر في النصف الأول من القرن العشرين، يتنازعها مفهوم وتاريخ، المفهوم المهيمن هو الأبوية الذكورية، والتاريخ هو تفكك الطبقة الوسطى بفعل النزعات الفردية، والتعليم، وتطور الوعي، ويمكن تأويل الثلاثية على أنها مدونة من التمثيل السردي التي تصور مستويين كبيرين من التجارب: مستوى أفول الأبوية الذكورية ودعامتها الاستعمارية، ومستوى بزوغ الفرديات وتحقيق الاستقلال، فكلما حقق الأفراد خروجاً متواصلاً عن نظام القيم الأبوية، وانخرطوا في التعبير عن ذواتهم كفاعلين اجتماعيين، كلما تحقق انهيار في مفهوم الأبوية بدلالته الشخصية والاستعمارية. وتنتهي الثلاثية بتفكك النظامين الأبوي والاستعماري، ولكن خلف هذا الانهيار العام تكمن بالضبط الدلالة الأكثر أهمية، فيما نرى، للثلاثية، فتحرر الأفراد من هيمنة الأبوية يفضي بهم إلى السقوط في هوة عميقة: الغرائز، النزوات، الحيرة، تضارب الآراء والمواقف، الانتهازية، التنازع على المراكز والأدوار، فالمجال العام ينفتح أمام الأفراد كلما انحسرت الأ
بوية، وتوارى نفوذها. في بداية الرواية تهيمن صورة الأب، أحمد عبدالجواد، وكل الشخصيات الأخرى شاحبة وتنتهي الرواية وقد امتلأ المجال العام بالأحفاد متعددي المشارب، والمنازع، والأيدلوجيات.
تبدأ الثلاثية بتمثيل عالم متماسك ومتجانس في رؤاه العامة، وتنتهي بتمثيل عالم متمزق ومتناحر، بسبب انهيار نسق القيم الأبوية، الأمر الذي شوش ذلك العالم، وفضح نزوات أفراده، بعد ان كانت القيم الأبوية من قبل تقدم غطاء لكل سلوك وتصرف. في النهاية انفرط العقد الرمزي الذي يحمي العائلة الأبوية، ذلك العقد القائم على الخوف، والتراتب، والاستئثار بالدور الأول، واختزال الأنوثة. مسار الأبوية الذكورية في صعوده وهبوطه يصبح أحد الرهانات الكبرى للشخصيات الفاعلة في النص، فمن الطاعة العمياء، إلى التمرد على الأبوية، إلى المحاكاة الساخرة منها، إلى التحرر من سطوتها، هذا المسار الصاعد والمتنوع للأحداث يخفى دلالة عميقة: غياب التوازن، فالشخصيات التي كانت مأسورة داخل بيت الأب، وخاضعة لمفهومه، ينفرط عقدها بمرور الزمن، فتقع ضحية المنازعات، والاختيارات، والتجارب. تنتهي الرواية والعالم السردي للنص يعج باضطراب كامل يستحيل إعادة التوازن إليه.
تبدأ الأحداث بلحظة توازن وتنتهي بفوضى شاملة، تنتقل من البعد الفردي الأبوي للعلاقات الاجتماعية إلى البعد الشامل، والمتعدد، والجماعي، الذي لا يمكن السيطرة عليه، وإذا راقبنا نبرة السرد، ومسار الأحداث، وعلاقات الشخصيات فيما بينها، وتوسع المكان، وظهور الأجيال الجديدة، وانبثاق الأيدلوجيات المتناقضة، ترتسم أمامنا صورة انهيار عام لمنظومة متماسكة من القيم أكثر مما ترتسم صورة لقيم جديدة، فالسرد مشدود إلى التعبير عن مركز تمثله الأبوية الذكورية، وبالخروج المتنامي عليها من قبل جيل الأبناء والأحفاد يتنامى احساس بالعدمية، والضلال، والحيرة، والفوضى، حتى ان كثيراً من الشخصيات تظل عالقة في وسط معتم لا هي قادرة على المضي في إنتاج قيم جديدة، ولا هي قادرة على العودة إلى القيم التقليدية. انفراط عقد الأبوة، لا يدفع بعقد بديل، على العكس يوحي بانفراط خطير، غامض، لا مرجعية له. وكأن الشخصيات بلغت حافة الهاوية. التناقضات التي ما تنفك تتكاثر في نهاية الرواية لا تقترح بديلاً، ولا توحي بأنها سوف تفرز نسقاً مغايراً من القيم البديلة، فقد تصدع التماسك الابتدائي الذي يمثله أحمد عبدالجواد، وباتساع المكان وظهور الأجيال الجديدة، يتنامى حس عارم با
لبوهيمية العامة، ليس البوهيمية الحسية فقط إنما الفكرية، فكأن الخروج على نمط الأبوية المهيمن هو مروق عن أبوية مقدسة.
تبدأ "الثلاثية" بانتظار أمينة لزوجها ليلاً، وتنتهي بانتظارها الموت فاقدة للوعي. فكرة الانتظار الأنثوي جزء من هيمنة ثقافة الأبوية الذكورية، الأنثى في حالة انتظار. انتظار المرأة يشكل مدخلاً مناسباً لفتح الأفق أمام حالة الترقب. تستهل الرواية بالمرأة التي تنتظر زوجها في وقت متأخر من الليل، ويمدنا محفوظ بمعلومة مهمة تفيد في موضوع الانتظار. حينما تبدأ الأحداث تكون "أمينة" في الأربعين من عمرها. وسرعان ما نكتشف ان السيد "أحمد عبدالجواد" تزوجها وهي دون الرابعة عشرة من عمرها. مضى على انتظارها الليلي ربع قرن، ما الذي أفضى إليه انتظار "أمينة" اليومي كتابع لا يعرف الكلل طوال هذه المدة؟ تضع الصفحات الأولى من الرواية الجواب الآتي "تفانت في الطاعة حتى كرهت ان تلومه على سهره، ولو في سرها، ووقر في نفسها ان الرجولة الحقة، والاستبداد، والسهر، إلى ما بعد منتصف الليل، صفات متلازمة لجوهر واحد". ما هو ذلك الجوهر الذي تشير إليه "أمينة" دون ان تسميه غير الأبوة الذكورية؟ لكي ترتسم صورة رجل حقيقي: ينبغي ان يكون ذكراً، ومستبداً، وحراً في سهره الليلي، وعلاقاته النسائية. لم تأت أمينة على واجبات الأبوة الأخرى، ففي انتظارها الطويل "وقر" في ن
فسها ان تَلازُمَ تلك الصفات حكرٌ على الرجل، ولا ينبغي مساءلته عليها. الذكورة، والاستبداد، وحرية الرغبات الجسدية للرجال، كانت على الدوام الدعامات للثقافات التقليدية، فبها يرتقي الرجل من كونه كائناً طبيعياً إلى كونه فاعلاً ذكورياً في مجتمع لا يرى تلك التمايزات بين أفراده، ويسكت عن سلوكهم، ولا يفكر بأسبابها. العمى والصمت والجهل تتلازم لكي تنبثق "الرجولة الحقة" ولهذا تتكرس شخصية "أحمد عبدالجواد" على مستوى التفكير الواقعي المباشر في "الثلاثية" وتتكرس شخصية "الجبلاوي الكبير" في رواية أولاد حارتنا على مستوى التفكير الميتافيزيقي، وتتكرس شخصية "عاشور الناجي" في "ملحمة الحرافيش" على مستوى التفكير التجريدي.
يعيش "أحمد عبدالجواد" نوعين من الوحدة والتمزق، نوعين من التماسك والانقسام، شأنه شأن النماذج الأبوية الكبيرة التي تعلن الفضائل وتخفي الرذائل فهو "جبل وحده" و"ليس مثله أحد في الرجال" النموذج المصفى للذكورة، لكنه يعيش انشطاراً متواصلاً، كان "يخلع مزاحه" خارج البيت ليحتفظ بوقاره ومكانته، فكيف تتمرأى صورته هذه، صورة الرجل بوجوه كثيرة، أمام الآخرين؟ يفصِّل محفوظ وجوه أحمد عبدالجواد المتعددة "وجه خاشع، خافض الجناح، تقطر التقوى والحب والرجاء من قسماته أمام الله، ووجه بسَّام مشرق أمام أصحابه، ووجه حازم صارم أمام آل بيته" ويترتب على كل هذا أنه "لا الناس يعرفون السيد الذي يقيم في بيته، ولا أهل البيت يعرفون السيد الذي يعيش بين الناس" فقد "جمعت حياته شتى المتناقضات التي تتراوح بين العبادة والفساد، وحازت جميعاً على رضاه على تناقضاتها دون ان يدعم هذا التناقض بسند من فلسفة ذاتية أو تدبير مما يصطنع الناس من ألوان الرياء "كان" يصادق فيفرط في مودته، ويعشق فيذوب في عشقه، ويسكر فيغرق في سكره، مخلصاً صادقاً في كل حال" و"لم ير في أية امرأة إلاّ جسداً" و"لعله تمنى لو كان الله قد خلق البنات على طبيعة لا تحتم الزواج، ولعله تمنى في الأ
قل لو لم يكن أنجب إناثاً قط" فإنجاب الاناث، كما يقول "سر لا حيلة لنا فيه" وهو الرجل "الصارم الجبار الرهيب التقي الورع الذي يقتل من حوله رعباً وهو أب ذو "طبيعة خرقت المألوف من الطبائع" وهو الذي "يحل لنفسه ما لا يحلّ لأحد من ذويه". الراوي العليم الذي يمثل قناع المؤلف يجمل لنا هذا المزيج المركب لشخصية أحمد عبدالجواد "الذي كان يمارس الحياة، بكل تنوعاتها دون ان يكون" مثقل الضمير باحساس خطيئة، أو وسواس قلق، فهو يمارس حقاً منحته إياه الحياة، وكأنما لا تعارض بين حق الحياة على قلبه وحق الله على ضميره "ف " نجح في التوفيق بين "الحيوان المتهالك" على اللذات و"الإنسان" المتطلع إلي المبادئ العالية توفيقاً ائتلافياً يجمعهما في وحدة منسجمة لا يطغى أحد طرفيها على الآخر، ويستقل كل منهما بحياته الخاصة في يسر وارتياح، كما وفق من قبل في الجمع بين التدين والغواية في وحدة خالية من الاحساس بالذنب والكبت معاً".
في الثلاثية يختزل محفوظ مساراً تاريخياً لأسرة تعيش بين عصرين ورؤيتين وطرازين مختلفين من طرز الحياة، طراز يتصل بنمط القيم في القرون الوسطى، وطراز يتصل بالعصر الحديث، تبدأ الثلاثية بأسرة تنتمي في علاقاتها إلى القرون الوسطى، حيث الطاعة العمياء للأب، والسيادة المطلقة له، والخضوع الكامل للقيم التي يحملها، ويظهر مجتمع الحريم، والجواري اللواتي يلحقن بسيداتهن عند زواجهن، والشخصيات النسوية مبرقعة محتجبة، ليس لهن أي تطلع سوى الزواج، والجواري تابعات لهن، والغواني يسعين في اشباع لذات الرجال، والآباء يبحثون عن ترابطات للارتقاء بالمستوى الاجتماعي عبر مصاهرات من الطبقات العليا، أو ما تبقى منها، كما يظهر من محاولة أحمد عبدالجواد ربط أسرته ببقايا الارستقراطية التركية حينما يوافق على زواج كريمتيه من عائلة "آل شوكت" وابنه ياسين من عائلة "آل عفت" الرواية تشير بوضوح إلى ان الطبقات العليا، ممثلة بالأسر الكبيرة، ذات الأصول التركية، إلى ذلك حضور فكرة عزل النساء وحرمانهن من أي نوع من الاختلاط، حتى ان الأب يقرر منع الأم من حضور جنازة ابنها فهمي، إثر مقتله على يد الإنجليز، والمشاركة في نعشه، كما ان الزواجات للذكور والاناث تتم في وسط اج
تماعي مغلق ودون أي تعارف مسبق، مثل زواج عائشة وزواج ياسين. ويفهم زواج البنات على أنه نوع من الانتهاك، وربما الاغتصاب. وتنتهي الرواية وقد تلاشى كل ذلك، وحلت محله علاقات جديدة، وأفكار مختلفة، فالثلاثية مدونة رمزية شديدة الأهمية قامت بتمثيل صعود الأبوية الذكورية وانهيارها.
abdullah.ibrahim.name
يرسم نجيب محفوظ في "الثلاثية" إطاراً صارماً للعالم السردي الذي ستدور فيه أحداث الرواية، يقدم حكاية أسرة من الطبقة الوسطى، على خلفية الاحتلال الاستعماري الإنجليزي لمصر في النصف الأول من القرن العشرين، يتنازعها مفهوم وتاريخ، المفهوم المهيمن هو الأبوية الذكورية، والتاريخ هو تفكك الطبقة الوسطى بفعل النزعات الفردية، والتعليم، وتطور الوعي، ويمكن تأويل الثلاثية على أنها مدونة من التمثيل السردي التي تصور مستويين كبيرين من التجارب: مستوى أفول الأبوية الذكورية ودعامتها الاستعمارية، ومستوى بزوغ الفرديات وتحقيق الاستقلال، فكلما حقق الأفراد خروجاً متواصلاً عن نظام القيم الأبوية، وانخرطوا في التعبير عن ذواتهم كفاعلين اجتماعيين، كلما تحقق انهيار في مفهوم الأبوية بدلالته الشخصية والاستعمارية. وتنتهي الثلاثية بتفكك النظامين الأبوي والاستعماري، ولكن خلف هذا الانهيار العام تكمن بالضبط الدلالة الأكثر أهمية، فيما نرى، للثلاثية، فتحرر الأفراد من هيمنة الأبوية يفضي بهم إلى السقوط في هوة عميقة: الغرائز، النزوات، الحيرة، تضارب الآراء والمواقف، الانتهازية، التنازع على المراكز والأدوار، فالمجال العام ينفتح أمام الأفراد كلما انحسرت الأ
بوية، وتوارى نفوذها. في بداية الرواية تهيمن صورة الأب، أحمد عبدالجواد، وكل الشخصيات الأخرى شاحبة وتنتهي الرواية وقد امتلأ المجال العام بالأحفاد متعددي المشارب، والمنازع، والأيدلوجيات.
تبدأ الثلاثية بتمثيل عالم متماسك ومتجانس في رؤاه العامة، وتنتهي بتمثيل عالم متمزق ومتناحر، بسبب انهيار نسق القيم الأبوية، الأمر الذي شوش ذلك العالم، وفضح نزوات أفراده، بعد ان كانت القيم الأبوية من قبل تقدم غطاء لكل سلوك وتصرف. في النهاية انفرط العقد الرمزي الذي يحمي العائلة الأبوية، ذلك العقد القائم على الخوف، والتراتب، والاستئثار بالدور الأول، واختزال الأنوثة. مسار الأبوية الذكورية في صعوده وهبوطه يصبح أحد الرهانات الكبرى للشخصيات الفاعلة في النص، فمن الطاعة العمياء، إلى التمرد على الأبوية، إلى المحاكاة الساخرة منها، إلى التحرر من سطوتها، هذا المسار الصاعد والمتنوع للأحداث يخفى دلالة عميقة: غياب التوازن، فالشخصيات التي كانت مأسورة داخل بيت الأب، وخاضعة لمفهومه، ينفرط عقدها بمرور الزمن، فتقع ضحية المنازعات، والاختيارات، والتجارب. تنتهي الرواية والعالم السردي للنص يعج باضطراب كامل يستحيل إعادة التوازن إليه.
تبدأ الأحداث بلحظة توازن وتنتهي بفوضى شاملة، تنتقل من البعد الفردي الأبوي للعلاقات الاجتماعية إلى البعد الشامل، والمتعدد، والجماعي، الذي لا يمكن السيطرة عليه، وإذا راقبنا نبرة السرد، ومسار الأحداث، وعلاقات الشخصيات فيما بينها، وتوسع المكان، وظهور الأجيال الجديدة، وانبثاق الأيدلوجيات المتناقضة، ترتسم أمامنا صورة انهيار عام لمنظومة متماسكة من القيم أكثر مما ترتسم صورة لقيم جديدة، فالسرد مشدود إلى التعبير عن مركز تمثله الأبوية الذكورية، وبالخروج المتنامي عليها من قبل جيل الأبناء والأحفاد يتنامى احساس بالعدمية، والضلال، والحيرة، والفوضى، حتى ان كثيراً من الشخصيات تظل عالقة في وسط معتم لا هي قادرة على المضي في إنتاج قيم جديدة، ولا هي قادرة على العودة إلى القيم التقليدية. انفراط عقد الأبوة، لا يدفع بعقد بديل، على العكس يوحي بانفراط خطير، غامض، لا مرجعية له. وكأن الشخصيات بلغت حافة الهاوية. التناقضات التي ما تنفك تتكاثر في نهاية الرواية لا تقترح بديلاً، ولا توحي بأنها سوف تفرز نسقاً مغايراً من القيم البديلة، فقد تصدع التماسك الابتدائي الذي يمثله أحمد عبدالجواد، وباتساع المكان وظهور الأجيال الجديدة، يتنامى حس عارم با
لبوهيمية العامة، ليس البوهيمية الحسية فقط إنما الفكرية، فكأن الخروج على نمط الأبوية المهيمن هو مروق عن أبوية مقدسة.
تبدأ "الثلاثية" بانتظار أمينة لزوجها ليلاً، وتنتهي بانتظارها الموت فاقدة للوعي. فكرة الانتظار الأنثوي جزء من هيمنة ثقافة الأبوية الذكورية، الأنثى في حالة انتظار. انتظار المرأة يشكل مدخلاً مناسباً لفتح الأفق أمام حالة الترقب. تستهل الرواية بالمرأة التي تنتظر زوجها في وقت متأخر من الليل، ويمدنا محفوظ بمعلومة مهمة تفيد في موضوع الانتظار. حينما تبدأ الأحداث تكون "أمينة" في الأربعين من عمرها. وسرعان ما نكتشف ان السيد "أحمد عبدالجواد" تزوجها وهي دون الرابعة عشرة من عمرها. مضى على انتظارها الليلي ربع قرن، ما الذي أفضى إليه انتظار "أمينة" اليومي كتابع لا يعرف الكلل طوال هذه المدة؟ تضع الصفحات الأولى من الرواية الجواب الآتي "تفانت في الطاعة حتى كرهت ان تلومه على سهره، ولو في سرها، ووقر في نفسها ان الرجولة الحقة، والاستبداد، والسهر، إلى ما بعد منتصف الليل، صفات متلازمة لجوهر واحد". ما هو ذلك الجوهر الذي تشير إليه "أمينة" دون ان تسميه غير الأبوة الذكورية؟ لكي ترتسم صورة رجل حقيقي: ينبغي ان يكون ذكراً، ومستبداً، وحراً في سهره الليلي، وعلاقاته النسائية. لم تأت أمينة على واجبات الأبوة الأخرى، ففي انتظارها الطويل "وقر" في ن
فسها ان تَلازُمَ تلك الصفات حكرٌ على الرجل، ولا ينبغي مساءلته عليها. الذكورة، والاستبداد، وحرية الرغبات الجسدية للرجال، كانت على الدوام الدعامات للثقافات التقليدية، فبها يرتقي الرجل من كونه كائناً طبيعياً إلى كونه فاعلاً ذكورياً في مجتمع لا يرى تلك التمايزات بين أفراده، ويسكت عن سلوكهم، ولا يفكر بأسبابها. العمى والصمت والجهل تتلازم لكي تنبثق "الرجولة الحقة" ولهذا تتكرس شخصية "أحمد عبدالجواد" على مستوى التفكير الواقعي المباشر في "الثلاثية" وتتكرس شخصية "الجبلاوي الكبير" في رواية أولاد حارتنا على مستوى التفكير الميتافيزيقي، وتتكرس شخصية "عاشور الناجي" في "ملحمة الحرافيش" على مستوى التفكير التجريدي.
يعيش "أحمد عبدالجواد" نوعين من الوحدة والتمزق، نوعين من التماسك والانقسام، شأنه شأن النماذج الأبوية الكبيرة التي تعلن الفضائل وتخفي الرذائل فهو "جبل وحده" و"ليس مثله أحد في الرجال" النموذج المصفى للذكورة، لكنه يعيش انشطاراً متواصلاً، كان "يخلع مزاحه" خارج البيت ليحتفظ بوقاره ومكانته، فكيف تتمرأى صورته هذه، صورة الرجل بوجوه كثيرة، أمام الآخرين؟ يفصِّل محفوظ وجوه أحمد عبدالجواد المتعددة "وجه خاشع، خافض الجناح، تقطر التقوى والحب والرجاء من قسماته أمام الله، ووجه بسَّام مشرق أمام أصحابه، ووجه حازم صارم أمام آل بيته" ويترتب على كل هذا أنه "لا الناس يعرفون السيد الذي يقيم في بيته، ولا أهل البيت يعرفون السيد الذي يعيش بين الناس" فقد "جمعت حياته شتى المتناقضات التي تتراوح بين العبادة والفساد، وحازت جميعاً على رضاه على تناقضاتها دون ان يدعم هذا التناقض بسند من فلسفة ذاتية أو تدبير مما يصطنع الناس من ألوان الرياء "كان" يصادق فيفرط في مودته، ويعشق فيذوب في عشقه، ويسكر فيغرق في سكره، مخلصاً صادقاً في كل حال" و"لم ير في أية امرأة إلاّ جسداً" و"لعله تمنى لو كان الله قد خلق البنات على طبيعة لا تحتم الزواج، ولعله تمنى في الأ
قل لو لم يكن أنجب إناثاً قط" فإنجاب الاناث، كما يقول "سر لا حيلة لنا فيه" وهو الرجل "الصارم الجبار الرهيب التقي الورع الذي يقتل من حوله رعباً وهو أب ذو "طبيعة خرقت المألوف من الطبائع" وهو الذي "يحل لنفسه ما لا يحلّ لأحد من ذويه". الراوي العليم الذي يمثل قناع المؤلف يجمل لنا هذا المزيج المركب لشخصية أحمد عبدالجواد "الذي كان يمارس الحياة، بكل تنوعاتها دون ان يكون" مثقل الضمير باحساس خطيئة، أو وسواس قلق، فهو يمارس حقاً منحته إياه الحياة، وكأنما لا تعارض بين حق الحياة على قلبه وحق الله على ضميره "ف " نجح في التوفيق بين "الحيوان المتهالك" على اللذات و"الإنسان" المتطلع إلي المبادئ العالية توفيقاً ائتلافياً يجمعهما في وحدة منسجمة لا يطغى أحد طرفيها على الآخر، ويستقل كل منهما بحياته الخاصة في يسر وارتياح، كما وفق من قبل في الجمع بين التدين والغواية في وحدة خالية من الاحساس بالذنب والكبت معاً".
في الثلاثية يختزل محفوظ مساراً تاريخياً لأسرة تعيش بين عصرين ورؤيتين وطرازين مختلفين من طرز الحياة، طراز يتصل بنمط القيم في القرون الوسطى، وطراز يتصل بالعصر الحديث، تبدأ الثلاثية بأسرة تنتمي في علاقاتها إلى القرون الوسطى، حيث الطاعة العمياء للأب، والسيادة المطلقة له، والخضوع الكامل للقيم التي يحملها، ويظهر مجتمع الحريم، والجواري اللواتي يلحقن بسيداتهن عند زواجهن، والشخصيات النسوية مبرقعة محتجبة، ليس لهن أي تطلع سوى الزواج، والجواري تابعات لهن، والغواني يسعين في اشباع لذات الرجال، والآباء يبحثون عن ترابطات للارتقاء بالمستوى الاجتماعي عبر مصاهرات من الطبقات العليا، أو ما تبقى منها، كما يظهر من محاولة أحمد عبدالجواد ربط أسرته ببقايا الارستقراطية التركية حينما يوافق على زواج كريمتيه من عائلة "آل شوكت" وابنه ياسين من عائلة "آل عفت" الرواية تشير بوضوح إلى ان الطبقات العليا، ممثلة بالأسر الكبيرة، ذات الأصول التركية، إلى ذلك حضور فكرة عزل النساء وحرمانهن من أي نوع من الاختلاط، حتى ان الأب يقرر منع الأم من حضور جنازة ابنها فهمي، إثر مقتله على يد الإنجليز، والمشاركة في نعشه، كما ان الزواجات للذكور والاناث تتم في وسط اج
تماعي مغلق ودون أي تعارف مسبق، مثل زواج عائشة وزواج ياسين. ويفهم زواج البنات على أنه نوع من الانتهاك، وربما الاغتصاب. وتنتهي الرواية وقد تلاشى كل ذلك، وحلت محله علاقات جديدة، وأفكار مختلفة، فالثلاثية مدونة رمزية شديدة الأهمية قامت بتمثيل صعود الأبوية الذكورية وانهيارها.
abdullah.ibrahim.name